foshia
08-01-2007, 02:06 AM
http://www.q8zoom.com/vb/uploaded/5845_1185922867.gif
المعتمد بن عباد" و "أبو بكر بن عمار"
رغم الصداقة التي خلّداها في أشعارهما، ورغم الود الذي تحدثت به الأندلس كلها في تلك الفترة العاصفة من تاريخ العرب في الجزيرة الجميلة. شاعران.. كان فساد ما بينهما ثم مقتل أحدهما، بداية الضياع للمجد المؤثل في أرض السمن والعسل (الأندلس)!!.. والعجيب أن أولهما كان ملكاً.. بينما كان الثاني صعلوكاً..
• ولنبدأ حكايتنا بالصعلوك.. حيث نراه يدخل مدينته (الواقعة) في أقصى الجنوب الغربي من الأندلس فوق ربوة متدرجة حتى المحيط الأطلسي. نراه يدخلها على حمار هزيل، وفي ثياب رثة مهلهلة، وليس معه من متاع الدنيا سوى لسان ذرب، وقريحة رائعة، وخيال بديع.. صاحبنا شاعر، ولكنه شاعرٌ فقير، جائع، ومتعب.... كان في السابعة والعشرين من عمره، عندما عُقد في تلك المدينة اجتماع الأمراء.. فمحمد (المعتمد) ولي عهد المعتضد، أمير إشبيلية، شاب في العشرين من عمره، جعله أبوه أميراً على مدينة شلب ليتدرب على الملك، حتى إذا ورثه يكون مستعداً متمرساً بسياسة الحكم، والمعتضد يزور الآن ولده، حيث وصل إليه من إشبيلية محفوفاً بعددٍ من الأمراء.
والمعروف أن محمد شاعر رقيق، وأبوه المعتضد يحسن النظم أيضاً، وقد انتهز ابن عمار فرصة هذا الاجتماع ليلقي شعره على المجتمعين في بلدته.. فتمكن من الوصول إلى القصر حيث ألقى قصيدته عليهم، فبدأها بالقول:
أدر الزجاجة فالنسيم قد انبرى
والنجم قد صرف العنان عن السرى
والصبح قد أهدى لنا كافوره
لما استـرد الليـل منـا العنبـرا
والروض كالحسنا كساه زهره
وشيـاً وقلـّده نـداه جـواهـرا
.. فلما سمع المعتضد تلك الأبيات، قال لولده:
ـ أهذا شاعرك يا محمد؟!
ـ ما رأيته قبل اليوم يا أبتي!!
ـ أهكذا يقتحمون حديقة قصرك، وأنا والأمراء ضيوف عندك دون إذنٍ منك؟!!
ـ ولكن ألا ترى أن شعره جميل يا أبتي؟!
وهنا يلتفت المعتضد نحو ابن عمّار ليتوجّه إليه بالسؤال:
ـ من أنت؟.. ومن أين جئت أيها الشاعر؟!
ـ خادمك يا مولاي.. أبو بكر بن عمّار من أهل شلب..
ـ أتمم أبياتك أيها الشاعر..
روضٌ كأن النهر فيـه معصـم
صاف أطل عـلى رداء أخضـر
وتهزّه ريـح الصبـا فتخالـه
سيف بن عباد يبـدد عسـكرا
أندى على الأكباد من قطر الندى
وألذ في الأجفان من سنة الكرى
فـاح الثـرى متعطـراً بثنائـه
حتى حسبنـا كل تـربٍ عنبـرا
وتتوجت بالزهر صلع هضابـه
حتى ظننـا كل هـدبٍ قيصـرا
فتصدر كلمات الإعجاب من المعتضد الذي يقول لولده:
ـ لكأن هذا الشاعر قد تفوق عليك يا محمد؟!!
ـ لكأنه كذلك يا مولاي..
لكن ابن عمار يبادر الأمير محمد ـ المعتمد ـ بالقول:
ـ وأين كلماتي الهزيلة من بارع كلماتك يا مولاي الأمير؟!
ـ فيقول المعتمد لأبيه:
ـ لم لا تجعل ابن عمار من شعرائك يا أبتي؟!
ـ ولم لا تجعله من شعرائك أنت؟!.. أتخشى المنافسة؟.. اجزه بألف دينار، وكسوة تليق بمجلسك.
* * * * * * * * *
• منذ ذلك اليوم لزم كل واحد منهما الآخر.. وصار الناس لا يرون أميرهم محمد بن المعتضد الشاب ابن العشرين، إلا وفي رفقته الشاعر المرح الظريف أبو بكر بن عمّار بن السابعة والعشرين..
• ولا أدري كيف استطاع ابن عمار التسلل إلى قلب الفتى المترف الطيب، حتى جعل الناس يرددون إنه أفسد عليهم أميرهم، فترك الاهتمام بإدارة الحكم، ليلتفت إلى اللهو وقرض الشعر ومتابعة الحسان خفية، كأنه واحد من فتيان شلب.. وهذا مخالف للهدف الذي أرسله أبوه إلى تلك المدينة من أجله، وصار الناس يرددون حادثة ليلةٍ تنكر الأمير فيها بثياب تاجر، وخرج إلى شاطئ البحر حيث كانت الفتيات الحسناوات تتجمعن في ذلك الشاطئ.. وراقت إحداهنّ للأمير، فتابعها حتى كوخها، بعد أن أطعمته بضحكاتها، وغمزاتها، ثم دخلت هي الكوخ وأشارت إليه أن يقفز من النافذة.. وما أن قفز حتى انهال عليه أخوتها ضرباً، وما نفعه صياح ابن عمّار: ويحكم!!.. ويحكم!!.. إنه الأمير!!..
ولكن الأمير يصيح فيه خجلاً:
" قبّحك الله يا ابن عمّار، هل يضرب الأمير بزعانف السمك؟!"
ثم يضحكان للموقف الذي وقع لهما، وتحدثت به كل مدينة شلب!!
• ويسمع المعتضد بسيرة ولده، وما يقوم به من أفعال في تلك المدينة، ويعزو ما طرأ على سلوكه إلى رفقة شاعره الجديد أبي بكر بن عمار، فيطلبهما إلى إشبيلية، ويذهبان معاً، فيرغم الأب ولده على أن يلزم مجلسه ويباعد بينه وبين ابن عمار.. ولكن ما بينهما من صداقة وود.. يدفعهما إلى التسلل والتجوال معاً في مغاني إشبيلية، حتى عادت سيرتهما مع حسناوات المدينة الساحرة ثانية.. وتصل الأخبار إلى أسماع المعتضد، فيأمر بترحيل ابن عمار إلى شلب منفياً، على ألا يغادرها مطلقاً..!! فيكتب أبياتاً يودع بها صديقة:
سكّن فؤادك لا تذهب بـك الفـكر
ماذا يعيد عليك البث والحـذر
وازجر جفونك لا ترضى البكاء لها
واصبر فقد كنت عند الخطب تصطبر
وإن يكن قدرٌ قد عاق عـن وطـرٍ
فلا مـرد لـما يأتـي بـه القـدر
كم زفرة من شغاف القلب صاعدة
وعبرة عن شـؤون العيـن تنحـدر
رضاك راحة نفسي لا فجعت بـه
فهو العتـاد الـذي للـدهـر أدّخـر
* * * * * * * * *
• وبينما كان ابن عمار في مدينة شلب تصله قصيدة المعتمد التي يرد بها عليه:
ألا حييّ أوطاني بشـلب أبـا بكـر
وسلهن هل عهد الوصال كما أدري؟
وسلّم على قصر الشراجيب من فتىً
له أبداً شـوق إلى ذلـك القصـر
وليل بسـدّ النهـر لهـواً قطعتـه
بذات سوار مثـل منعطـف البـدر
وظلّ المعتضد مصرّاً على ألا يعود ابنه إلى مدينة شلب إذ استقر به المقام في القصر مع أبيه ليتعلم منه مباشرة فن الحكم..
* * * * * * * * *
ويضرب القدر ضربة ظنها الصديقان عودة إلى الماضي القريب السعيد، أيام اللهو والمرح والشباب العابث.. ولكنها كانت بداية لا تنبئ بتلك النهاية التي انتهت إليها.. فقد مات المعتضد.. وقام بالملك من بعده محمد المعتصم..
مـات عبـاد ولكـن بقـي الفـرع الكريـم
فكـأن الميـت حـيّ غيـر أن "الضاد" "ميم"
وكان أول عمل قام به صاحب (الميم) ـ أي المعتمد ـ أن أرسل إلى صديقه ابن عمار الذي لبّى الدعوة بهذه الأبيات:
لبّيـك لبّيـك من منـادٍ له الندى والرحب والندى
هأنا بالبـاب عبـد قنٍّ قبلتـه وجهـك السـني
شرفـه والـده باسـم شرفتـه أنـت والنبـيّ
فيسرّ المعتمد بن عباد لما سمع من صديقه ويستقبله قائلاً:
ـ بالغت، والله كعهدك يابن عمّار.. لشد ما طال شوقي إليك يا أخي..
ـ والله يا مولاي ما كان للحياة طعم وأنت عني بعيد!!.. وأقسم بحبي لك أن أبياتي الثلاثة هذه، هي أول ما كتبت منذ أن غادرت إشبيلية حتى عدت إليها..
ـ عودٌ حميد يا صديقي..
ـ ما أحسب ما ذهب يعود يا سيدي وابن سيدي..
ـ ويحك يا ابن عمار..!!.. أمللتنا ولم تبق معي غير ساعة من زمان؟!.. أم تركت لك قلباً في شلب تود لو تعود إليه؟!..
ـ لا هذا ولا ذاك يا مولاي!!
ـ فما معنى: أصلح الله ما فسد من طبعك!!.. قد كان طبعك المرح والمزاح، لكنك اليوم كئيب الوجه، كثير السهوم، ما الذي حلّ بك يا صديقي..؟!
ـ يا مولاي.. إنك اليوم سلطان هذا الملك الواسع كله، وتلك أعباءٌ لا يتسق حملها مع مثل ما كنا فيه أيام النزق واللهو والدعة..
ـ تعلم والله يا بن عمار إني أحب الجلسة الصافية.. أسمع فيها شعرك.. وتسمع فيها شعري.. أقول شطراً.. وتقول أنت الشطر الآخر..
ـ لا بد مما ليس منه بد يا مولاي.. وما كان لسليل ابن عباد أن ينام عن أمور الحكم ومشاغل السياسة في هذا الظرف العصيب الذي تترصدنا فيه عيون الإسبان، تريد أن ترى منا غفلة، فتنقضّ علينا.
,,, تحياتى للجميع ,,,
المعتمد بن عباد" و "أبو بكر بن عمار"
رغم الصداقة التي خلّداها في أشعارهما، ورغم الود الذي تحدثت به الأندلس كلها في تلك الفترة العاصفة من تاريخ العرب في الجزيرة الجميلة. شاعران.. كان فساد ما بينهما ثم مقتل أحدهما، بداية الضياع للمجد المؤثل في أرض السمن والعسل (الأندلس)!!.. والعجيب أن أولهما كان ملكاً.. بينما كان الثاني صعلوكاً..
• ولنبدأ حكايتنا بالصعلوك.. حيث نراه يدخل مدينته (الواقعة) في أقصى الجنوب الغربي من الأندلس فوق ربوة متدرجة حتى المحيط الأطلسي. نراه يدخلها على حمار هزيل، وفي ثياب رثة مهلهلة، وليس معه من متاع الدنيا سوى لسان ذرب، وقريحة رائعة، وخيال بديع.. صاحبنا شاعر، ولكنه شاعرٌ فقير، جائع، ومتعب.... كان في السابعة والعشرين من عمره، عندما عُقد في تلك المدينة اجتماع الأمراء.. فمحمد (المعتمد) ولي عهد المعتضد، أمير إشبيلية، شاب في العشرين من عمره، جعله أبوه أميراً على مدينة شلب ليتدرب على الملك، حتى إذا ورثه يكون مستعداً متمرساً بسياسة الحكم، والمعتضد يزور الآن ولده، حيث وصل إليه من إشبيلية محفوفاً بعددٍ من الأمراء.
والمعروف أن محمد شاعر رقيق، وأبوه المعتضد يحسن النظم أيضاً، وقد انتهز ابن عمار فرصة هذا الاجتماع ليلقي شعره على المجتمعين في بلدته.. فتمكن من الوصول إلى القصر حيث ألقى قصيدته عليهم، فبدأها بالقول:
أدر الزجاجة فالنسيم قد انبرى
والنجم قد صرف العنان عن السرى
والصبح قد أهدى لنا كافوره
لما استـرد الليـل منـا العنبـرا
والروض كالحسنا كساه زهره
وشيـاً وقلـّده نـداه جـواهـرا
.. فلما سمع المعتضد تلك الأبيات، قال لولده:
ـ أهذا شاعرك يا محمد؟!
ـ ما رأيته قبل اليوم يا أبتي!!
ـ أهكذا يقتحمون حديقة قصرك، وأنا والأمراء ضيوف عندك دون إذنٍ منك؟!!
ـ ولكن ألا ترى أن شعره جميل يا أبتي؟!
وهنا يلتفت المعتضد نحو ابن عمّار ليتوجّه إليه بالسؤال:
ـ من أنت؟.. ومن أين جئت أيها الشاعر؟!
ـ خادمك يا مولاي.. أبو بكر بن عمّار من أهل شلب..
ـ أتمم أبياتك أيها الشاعر..
روضٌ كأن النهر فيـه معصـم
صاف أطل عـلى رداء أخضـر
وتهزّه ريـح الصبـا فتخالـه
سيف بن عباد يبـدد عسـكرا
أندى على الأكباد من قطر الندى
وألذ في الأجفان من سنة الكرى
فـاح الثـرى متعطـراً بثنائـه
حتى حسبنـا كل تـربٍ عنبـرا
وتتوجت بالزهر صلع هضابـه
حتى ظننـا كل هـدبٍ قيصـرا
فتصدر كلمات الإعجاب من المعتضد الذي يقول لولده:
ـ لكأن هذا الشاعر قد تفوق عليك يا محمد؟!!
ـ لكأنه كذلك يا مولاي..
لكن ابن عمار يبادر الأمير محمد ـ المعتمد ـ بالقول:
ـ وأين كلماتي الهزيلة من بارع كلماتك يا مولاي الأمير؟!
ـ فيقول المعتمد لأبيه:
ـ لم لا تجعل ابن عمار من شعرائك يا أبتي؟!
ـ ولم لا تجعله من شعرائك أنت؟!.. أتخشى المنافسة؟.. اجزه بألف دينار، وكسوة تليق بمجلسك.
* * * * * * * * *
• منذ ذلك اليوم لزم كل واحد منهما الآخر.. وصار الناس لا يرون أميرهم محمد بن المعتضد الشاب ابن العشرين، إلا وفي رفقته الشاعر المرح الظريف أبو بكر بن عمّار بن السابعة والعشرين..
• ولا أدري كيف استطاع ابن عمار التسلل إلى قلب الفتى المترف الطيب، حتى جعل الناس يرددون إنه أفسد عليهم أميرهم، فترك الاهتمام بإدارة الحكم، ليلتفت إلى اللهو وقرض الشعر ومتابعة الحسان خفية، كأنه واحد من فتيان شلب.. وهذا مخالف للهدف الذي أرسله أبوه إلى تلك المدينة من أجله، وصار الناس يرددون حادثة ليلةٍ تنكر الأمير فيها بثياب تاجر، وخرج إلى شاطئ البحر حيث كانت الفتيات الحسناوات تتجمعن في ذلك الشاطئ.. وراقت إحداهنّ للأمير، فتابعها حتى كوخها، بعد أن أطعمته بضحكاتها، وغمزاتها، ثم دخلت هي الكوخ وأشارت إليه أن يقفز من النافذة.. وما أن قفز حتى انهال عليه أخوتها ضرباً، وما نفعه صياح ابن عمّار: ويحكم!!.. ويحكم!!.. إنه الأمير!!..
ولكن الأمير يصيح فيه خجلاً:
" قبّحك الله يا ابن عمّار، هل يضرب الأمير بزعانف السمك؟!"
ثم يضحكان للموقف الذي وقع لهما، وتحدثت به كل مدينة شلب!!
• ويسمع المعتضد بسيرة ولده، وما يقوم به من أفعال في تلك المدينة، ويعزو ما طرأ على سلوكه إلى رفقة شاعره الجديد أبي بكر بن عمار، فيطلبهما إلى إشبيلية، ويذهبان معاً، فيرغم الأب ولده على أن يلزم مجلسه ويباعد بينه وبين ابن عمار.. ولكن ما بينهما من صداقة وود.. يدفعهما إلى التسلل والتجوال معاً في مغاني إشبيلية، حتى عادت سيرتهما مع حسناوات المدينة الساحرة ثانية.. وتصل الأخبار إلى أسماع المعتضد، فيأمر بترحيل ابن عمار إلى شلب منفياً، على ألا يغادرها مطلقاً..!! فيكتب أبياتاً يودع بها صديقة:
سكّن فؤادك لا تذهب بـك الفـكر
ماذا يعيد عليك البث والحـذر
وازجر جفونك لا ترضى البكاء لها
واصبر فقد كنت عند الخطب تصطبر
وإن يكن قدرٌ قد عاق عـن وطـرٍ
فلا مـرد لـما يأتـي بـه القـدر
كم زفرة من شغاف القلب صاعدة
وعبرة عن شـؤون العيـن تنحـدر
رضاك راحة نفسي لا فجعت بـه
فهو العتـاد الـذي للـدهـر أدّخـر
* * * * * * * * *
• وبينما كان ابن عمار في مدينة شلب تصله قصيدة المعتمد التي يرد بها عليه:
ألا حييّ أوطاني بشـلب أبـا بكـر
وسلهن هل عهد الوصال كما أدري؟
وسلّم على قصر الشراجيب من فتىً
له أبداً شـوق إلى ذلـك القصـر
وليل بسـدّ النهـر لهـواً قطعتـه
بذات سوار مثـل منعطـف البـدر
وظلّ المعتضد مصرّاً على ألا يعود ابنه إلى مدينة شلب إذ استقر به المقام في القصر مع أبيه ليتعلم منه مباشرة فن الحكم..
* * * * * * * * *
ويضرب القدر ضربة ظنها الصديقان عودة إلى الماضي القريب السعيد، أيام اللهو والمرح والشباب العابث.. ولكنها كانت بداية لا تنبئ بتلك النهاية التي انتهت إليها.. فقد مات المعتضد.. وقام بالملك من بعده محمد المعتصم..
مـات عبـاد ولكـن بقـي الفـرع الكريـم
فكـأن الميـت حـيّ غيـر أن "الضاد" "ميم"
وكان أول عمل قام به صاحب (الميم) ـ أي المعتمد ـ أن أرسل إلى صديقه ابن عمار الذي لبّى الدعوة بهذه الأبيات:
لبّيـك لبّيـك من منـادٍ له الندى والرحب والندى
هأنا بالبـاب عبـد قنٍّ قبلتـه وجهـك السـني
شرفـه والـده باسـم شرفتـه أنـت والنبـيّ
فيسرّ المعتمد بن عباد لما سمع من صديقه ويستقبله قائلاً:
ـ بالغت، والله كعهدك يابن عمّار.. لشد ما طال شوقي إليك يا أخي..
ـ والله يا مولاي ما كان للحياة طعم وأنت عني بعيد!!.. وأقسم بحبي لك أن أبياتي الثلاثة هذه، هي أول ما كتبت منذ أن غادرت إشبيلية حتى عدت إليها..
ـ عودٌ حميد يا صديقي..
ـ ما أحسب ما ذهب يعود يا سيدي وابن سيدي..
ـ ويحك يا ابن عمار..!!.. أمللتنا ولم تبق معي غير ساعة من زمان؟!.. أم تركت لك قلباً في شلب تود لو تعود إليه؟!..
ـ لا هذا ولا ذاك يا مولاي!!
ـ فما معنى: أصلح الله ما فسد من طبعك!!.. قد كان طبعك المرح والمزاح، لكنك اليوم كئيب الوجه، كثير السهوم، ما الذي حلّ بك يا صديقي..؟!
ـ يا مولاي.. إنك اليوم سلطان هذا الملك الواسع كله، وتلك أعباءٌ لا يتسق حملها مع مثل ما كنا فيه أيام النزق واللهو والدعة..
ـ تعلم والله يا بن عمار إني أحب الجلسة الصافية.. أسمع فيها شعرك.. وتسمع فيها شعري.. أقول شطراً.. وتقول أنت الشطر الآخر..
ـ لا بد مما ليس منه بد يا مولاي.. وما كان لسليل ابن عباد أن ينام عن أمور الحكم ومشاغل السياسة في هذا الظرف العصيب الذي تترصدنا فيه عيون الإسبان، تريد أن ترى منا غفلة، فتنقضّ علينا.
,,, تحياتى للجميع ,,,